موقع أبو العلاء المعري : الصفحة الرئيسية

 

 

 

 

 

 

قائمة المحتويات

- مقدمة.
- الجزء الأول: الفكر والشعر فى منظور أبي العلاء.
- أبو العلاء بين الترغيب والترهيب.
- منهج الشك بين أبي العلاء وديكارت وطه حسين.
- منهج الديالكتيك العلائي بين المذاهب المثالية والمادية.
- الفكر والشعر فى منظور أبي العلاء.
- خصومة خسرها الأدب العربي.
- حول رسالة الغفران لأبي العلاء.
- بين هوامش الغفران.


- الجزء الثاني: دليل القارئ الذكي إلى عالم أبي العلاء.
- الفصل الأول: مشترط أبي العلاء.
- الفصل الثاني: أبو العلاء داعية للثورة.
- الفصل الثالث: الكتيبة الخرساء.
- الفصل الرابع: حملة أبي العلاء على الماسونية.
- الفصل الخامس: لمن كُتبت رسالة الغفران؟
- الفصل السادس: الطبيعة الشفرية لرسالة الغفران.
- الفصل السابع: الموقف العلائي من المرأة.
 
- ثبت بأعمال ومؤلفات نجيب سرور.

 

 

كتاب : تحت عباءة أبي العلاء

 

 

الفصل السابع

الموقف العلائي من المرأة

 

      ألح أبو العلاء في الجزء الثاني من رسالة الغفران في تحذير ابن القارح من النساء بالذات! كما ألح على ذلك في اللزوميات وفي سقط الزند! وواضح أنه يخشى ما قد تتعرض له الكتيبة الخرساء من أخطار جسيمة!..وسوف نُفصل هذا في الوقت المناسب..المهم انه ينتهز فرصة الكلام عن أبي القطران الأسدي المتيم بوحشية، فيقول: "..وإنما ود الغانية خلاب وخداع، وللكمد في هواهُ ابتداع...ولعل أبا القطران لو مُتع بهذه المذكورة ما يكونُ قدرُهُ مائة حقبة، على غير الجزع والرقبة (الرصد)، لجاز أن يغرض من الوصال...ولعله لو صادف غانية تزيدُ على وحشيته بشق الأبلمة (ثمر شجر الدوم)، لسلاها غير المُؤلمة".

ولنتذكر حديثه عن شيرين المومس ـ على حد تعبيره ـ وكسرى!..ثم لنلاحظ أنه لا يقصد النساء عموما ولا المرأة عامة، كما ذهب إلى ذلك القدماء والمحدثون والمعاصرون، بل هو يقصد نساء معينة هن الغواني، وامرأة معينة هي الغانية. والمعروف أن الأغلبية العظمى من الغواني هن من "جنس" معين، منذ بغايا المعابد وحتى وقتنا الراهن، في جميع أنحاء العالم. وحتى رجال هذا "الجنس" المعروف كالغواني تماما، كما يقول أبو العلاء نفسه في اللزوميات:

ورجال الأنام مثل الغواني

غيرُ فرق التأنيث والتذكير

       ومن هنا نفهم إعجاب أبي العلاء بعلقمة بن عبدة، حين يجري على لسان ابن القارح في لقائه بعلقمة (رسالة الغفران) ما يلي: "أعزز على بمكانك (يقصد في الجحيم)! ما أغنى عنك سمطا لؤلؤك (يعني يائيته وميميته) ...ولو شفعت لأحد أبيات صادقة ليس فيها ذكر الله ـ سبحانه ـ لشفعت لك أبياتُك في وصف النساء، أعني قولك:

فإن تسألوني بالنساء فإنني

بصير بأدواء النساء طبيب"

       ويقول أبو العلاء:

بدءُ السعادة أن لم تُخلق امرأة

فهل تود جمادى أنها رجـبُ

       فهو يعني امرأة بالذات..وهو لم يقل هذا من باب المصادفة أو من باب الضرورة الشعرية ـ الوزن ـ فليس أبو العلاء بالرجل الذي يترك شيئا للمصادفة، كما أنه ليس بالرجل الذي ينحني أمام الضرورة الشعرية.

       والمعروف أن أحمد بن عبد ربه حكى في العقد الفريد قصة مؤداها أن المأمون كان يُنصت إلى مغنية فلحنت، فأدرك أنها ليست عربية ـ وان بدت كذلك ـ فشك فيها، ولمح ابنه ـ وكان حاضرا في المجلس ـ يغمز للغانية المغنية بإحدى عينيه، ففهم أنه يحذرها أو يلفت نظرها، فأمر بسجن ابنه من باب الأدب والتهذيب! لذلك يقول أبو العلاء قاصدا رجالا معينين ونساء معينات:

فأف لعصريهم نهار وحندس

وجنسي رجال منهمُ ونسـاء

       وبهذا وحده يمكن أن نفهم التناقض ـ الظاهري ـ في أقوال أبي العلاء عن المرأة..وذلك بأن نتحقق مما إذا كان يقصد المرأة على إطلاق، أم يقصد امرأة خاصة من جنس خاص!..ولما كان التمييز بين نساء هذا الجنس وأي جنس آخر من أصعب الأمور وجب الحذر من النساء عامة التماسا للأمن والسلامة.

       فلنقفز إلى رسالة الغفران لنجده يرمز إلى نساء هذا الجنس بنساء "حلب" في قوله: "وربما كان في نساء حلب ـ حرسها الله ـ شواعرُ، فلا يأمن من أن تكون هذه منهن، فطال ما كُن أجود غرائز من رجالهن (أي أكثر مقدرة ومهارة ومكرا وخبثا)"!

       ولابد هنا من أن نستطرد مع أبي العلاء: "وحدث رجل ضرير من أهل آمد (أعظم مدن ديار بكر في شمال الجزيرة ودجلة محيطة بأكثرها) يحفظ القرآن ويأنس بأشياء من العلم، أنه كان وهو شاب له امرأة مُقينة (ماشطة) تزين النساء فى الأعراس، وكان يُنجمُ على الطريق، وكانت له قُرعة (جراب) فيها أشعار كنحو ما يكون فى القُرع، وكان يعتمد حفظ تلك الأشعار ويدرسُها في بيته، ولا غريزة له فى معرفة الأوزان، فيكسر البيت. فتقول له امرأته الماشطة: ويلي، ما هذا جيد. فيُلاجها (يخاصمها) ويزعم أنها مخطئة. فإذا أصبح مضى فسأل من يعرفُ ذلك، فأخبره أن الصواب معها".

       وهنا نتذكر قوله في رسالة الغفران ـ الجزء الأول ـ على لسان زفر خازن النار لابن القارح، وهو يحاول أن يرشوه بالشعر: "لا أشعر بالذي حممت ـ أي قصدت ـ وأحسب هذا الذي تجيئني به قرآن إبليس المارد، ولا ينفُقُ على الملائكة، إنما هو للجان وعلموه ولد آدم..".

       وهنا أيضا لا يقصد الشعر على إطلاقه، وإنما يقصد الشعر المنحول! ثم لننعم النظر في قول زفر: "..ومن تلك الجهة (أي إقليم العرب) أتيتني بالقريض، لأن إبليس اللعين نفثه في إقليم العرب، فتعلمهُ نساء ورجال. وقد وجب على نُصحُك..".

       إذن فهو لم يكن يقصد النساء عامة والرجال عامة، بل يقصد رجالا ونساء من جنس معين، رجاله ونساؤه على السواء محض غوان! على حد تعبيره..وكل الفرق في التأنيث والتذكير. إذن يصبح من الواضح جدا قوله في اللزوميات:

أرى الحي جنسا ظل يشملُ عالمي

بأنواعه لا بُورك النـوعُ والجنسُ

       وقوله:

كوني الثريا أو حضار أو الـ

جوزاء أو كالشمس لا تلــد

فلتلك أشرف من مؤنثـــة

نجلت فضاق بنسلها البلــد

       أما لماذا قال "مؤنثة" ولم يقل "أنثى" فليس أيضا من قبيل الصدفة ولا من قبيل الخضوع أمام الضرورة الشعرية، وإنما يعني به أبو العلاء شيئا في غاية الخطورة. ولكن حسبنا هنا أن نشير إلى قوله في اللزوميات أيضا:

يلدن أعاديا ويكن عـارا

إذا أمسين في المتهضمات

       وقوله:

إذا شئت يوما وصلة بقرينة

فخير نساء العالمين عقيمها

       ولماذا قال:

ألا تفكرت قبل النسل في زمن

به حللت فتدري أين تلقيــه

       وألوف السطور النثرية والأبيات الشعرية في كل أعمال أبي العلاء تلح على موضوع "المرأة" عامة ونوع "امرأة" خاصة! وكل ما كتبه القدماء والمحدثون والمعاصرون بلا استثناء عن موقف أبي العلاء من المرأة ومن النسل باطل الأباطيل، لأنه لا يدرك سر التناقض ـ الظاهري ـ في أقواله..ولا لمن يتحدث ولا عن من ولا من أجل ماذا! لم يفهموا منهج الديالكتيك العلائي، ومن ثم تخبطوا طويلا وظنوا بالرجل التخبط! على أننا سنعالج هذا تفصيلا في مكان آخر من هذا الدليل..فنحن الآن بصدد الجزء الثاني من رسالة الغفران! وقبل أن أستأنف ما انقطع من حديث أرجو القارئ أن يراجع ـ على هذا الضوء ـ أقوال الجني أبي هدرش في الجزء الأول من الرسالة وكيف يتخذ من المرأة بالذات مطيته وأداته في كل أعماله الجهنمية الخبيثة! وذلك في سينيته:

وأسلُكُ الغادة محجُوبــــة

في الخدر، أو بين جوار تميس

لا انتهى عن غرضي بالرقـي

إذا انتهى الضيغُم دون الفريس

..............................

إلى قوله:

تحملُنا فى الجُنح خيل لهـا

أجنحة، ليست كخيل الأنيس

وأينق تسبقُ أبصاركُـــم

مخلوقة بين نعام وعيــس

.....................إلخ

       ما علينا..فالمهم أن أبا العلاء يأخذ بعد ذلك في الحديث عن مدعي النبوة، ومدعي النبوة والمتألهين..وهم نفس الشيء فى الظاهر، ولكن فى الباطن نجد أنه يفرق بينهما. فالأولون هم الكفار فعلا ـ ومن جنس معين ـ والآخرون هم الموحدون، لأن التأله ـ التوحيد ـ غريزة فى الطفل كما قال وقلنا فى غير هذا المكان! إذن علينا أن نتحقق جيدا ما إذا كان يقصد ـ فى كل مرة ـ التأله بمعنى إدعاء الألوهية أو بمعنى التوحيد، وإلا فلن نفهم شيئا كما لم يفهم أحد شيئا من موقفه من المرأة ومن النسل!..بل ومن الشعر والشعراء. فهو حين يقول فى اللزوميات:

وان شرارها شعراؤها

إنما يقصد شعرا معينا وشعراء معينين لا الشعر والشعراء على إطلاق! وهو أبو العلاء الذي يقول لابن القارح عن القُطُربلي المتهم بادعاء النبوة: "وحُدثتُ أنه ـ القطربلي ـ كان إذا سُئل عن حقيقة هذا اللقب ـ إدعاء النبوة ـ قال: هو من النبوة، أي المرتفع من الأرض. وكان قد طمع في شيء قد طمع فيه من هو دُونه، وإنما هي مقاديرُ، يُديرُها فى العُلو مُدير، يظفرُ بها من دُفق...وقد دلت أشياءُ في ديوانه أنه كان مُتألها، ومثل غيره من الناس مُتدلها، فمن ذلك قوله:

ولا قابلا إلا لخالقه حُكما"

       إذن فالقطربلي الذي اتهم بالنبوة كان متألها..أبمعنى أنه كان يدعي الإلوهية؟! لا..فأقوال الرجل تشهد بأنه يدين للخالق ويمتثل لحكمه..وعلى يقين من قدرته على اخزاء الكافرين! كان إذن متألها بالمعنى المعجمي الآخر..أي موحدا. وهنا نفهم قول أبي العلاء في اللزوميات:

وأرحل عنها خائفا أتألهُ

       ثم يستطرد أبو العلاء: "وإذا رُجع إلى الحقائق، فنُطقُ اللسان لا يُنبيء عن اعتقاد الإنسان، لأن العالم مجبول على الكذب والنفاق. ويُحتملُ أن يُظهر الرجل بالقول تدينا، وإنما يجعل ذلك تزينا، يُريدُ أن يصل به إلى ثناءُ أو غرض من أغراض الخالبة أم الفناء. ولعله قد ذهب جماعة هم في الظاهر مُتعبدون، وفيما بطن مُلحدون"!

       فنتذكر قوله في اللزوميات:

مذاهب جعلوها من معايشهــم

من يُعمل الفكر فيها تعطه الأرقا

       وقوله:

إذا كشفت عن الرهبان حالهمُ

فكلهم يتوخى التبر والورقـا

       ماذا كان في وسع أبي العلاء أن يفعل أكثر مما قال في عصره..عصر السبت!

       ومع ذلك ظل القدماء والمحدثون والمعاصرون يتهمون الرجل ـ  افتراء ـ بالكفر والزندقة والإلحاد وربما الوثنية!

 

لإكمال قراءة الكتاب، توجه إلى الفهرس أعلى الصفحة، وأنقر على العنوان المطلوب، لتنتقل إليه مباشرة. 

 

 

أعلى الصفحة

الصفحة الرئيسية